مكتبة كل الكتب مكتبة كل الكتب

موت القراءة يهدد الروح !


موت القراءة يهدد الروح !


ترجمة:عهود الحربي



كنت في ما مضى أحب القراءة ..!
الآن أكتب هذه المقالة ، تحيطني سبع وعشرون مكتبة ، في داخلها ما يقارب خمسة آلاف كتاب قرأتها على مدى سنوات, كتب تملأها العلامات والملاحظات ، لقد شكّلت الكتب حياتي الروحية والمهنية .. و ساعدتني بتعريف ذاتي بل و عرفتني على عجائب العلم و طبيعة العالم .. وزودتني بمعلومات عن العدالة و العنصرية وسواها ، والأكثر أهمية من كل هذا أنها كانت مصدراً للسعادة والمغامرة والجمال.. لقد كانت الكتب نافذتي المشرعة على الواقع والحياة .


إن أزمتي تنشأ من كوني أصف ماضيّ لا حاضري. إذ اعتدت على قراءة 3 كتب في الأسبوع وفي سنة واحدة كرّست فترة المساء من كل أسبوع في قراءة جميع مسرحيات شكسبير وبفعل الإنقطاعات استغرق مني الإنتهاء من هذه المسرحيات ما يقارب العامين.
في عام آخر، قرأت جميع كتب تولستوي و دوستويفسكي ، لكنني الآن أقرأ عدداً أقل من ذي قبل ، بل إنني أميل إلى قراءة تلك التي لا تتطلب جهداً كبيراً.

لقد مرّن الانترنت ووسائل التواصل الإجتماعي عقلي على قراءة فقرة أو اثنتين، ومن ثم بدء البحث حولهما. فعندما أقرأ مقالاً على الإنترنت من موقع اتلانتك أو نيو يوركر أجدني بعد بضع فقرات ألقي نظرة على بقية الصفحة لأرى طول المقال ، ثم يتشتت ذهني و انتقل دون إرادة مني إلى الشريط الجانبي أو الروابط الإعلانية.
أما الأسوأ من ذلك، هو أنني وقعت فريسة لتلك الروابط .. إذ ألمح أسفل الشاشة و أرى مواضيع أكثر جاذبية مثل: 30 حقيقة تجعل بشرتك تشيخ ببطء أو أكثر 10 أعطال تصيب خزانات ملابس المشاهير .. عشرات الروابط وربما أكثر كفيلة بأن تُفسد علي متعة قراءة المقال الأصلي.


لقد فسّر علماء الأعصاب مثل هذه الظاهرة ، عندما تتعلم شيء ما بسرعة يندفع الدوبامين إذ يقوم بعملية مسح لللدماغ بالرنين المغناطيسي لتضيء مراكز المتعة في الدماغ .. وفي هذا الجانب تضيئ رسائل البريد الإلكتروني على سبيل المثال مراكز المتعة في الدماغ ، وعلى ذات المنوال يؤدي تويتر وانستغرام و سنابشات ذات المهمة .

يحلل كتاب نيكولاس كار (The Shallows ) تلك الظاهرة متسائلاً : ( ماذا يفعل الإنترنت بدماغنا ) ويوضح أن أغلب الأمريكيين والشباب بشكل خاص يظهرون انخفاضاً حاداً في مقدار الوقت الذي يقضونه في القراءة ويقول :( كنت قائد غطّاس في بحر الكلمات. الآن أنا نشاط سطحي مثل شاب يقضي وقته على Jet Ski ).
وحسب تقرير نيلسون 2016 فإن الأمريكي العادي يكرس أكثر من 10 ساعات يومياً في استهلاك وسائل التواصل ، يشمل ذلك التلفاز وجميع الأجهزة الإلكترونية الأخرى وهذا يشكل 65% من ساعات اليقظة ، ليجد أن الوقت المتبقي للأمور ذات الأهمية الكبرى هو أقل من القليل ، ومن بين هذه الافعال الكبرى التي لا تجد لديه الوقت هو فعل التركيز على القراءة.


في كتاب " The Gutenberg Elegies " يرثي سيفن بيركرتس تلاشي القراءة العميقة ، تلك العملية التي تتطلب تركيز مكثف بفعل انخفاض معدلات الإدراك وبطء وتيرته. لقد شعرت بأن كتابه صفعني بقوة. مما حدا بي أن ألقي بكتب تشارلز تايلور ( العصر العلماني ) جانباً وأنظر إلى رف كتبي المليء بكتب اللاهوت ليورغن مولتمان مع شعور بالحنين متسائلا : لماذا لم أعد أقرأ كتباً من هذا القبيل الآن؟

في مقال يتحدث عن رجال الأعمال الرواد ومنهم : الون موسك، أوبرا وينفري، بيل جيتس، وارن بافيت ومارك زوكربيرج، حيث يشترك معظمهم بممارسة نشاط عام يسميه المؤلف ( قاعدة الـ 5 ساعات ). إنهم يقضون ساعة على الأقل في اليوم أو 5 ساعات كل أسبوع للتعلم المتعمد.. على سبيل المثال:
قرأ بيل جيتس 50 كتاباً في السنة.
قرأ مارك زوكربيرج كتاباً واحداً على الأقل كل أسبوعين.
قرأت إيلون موسك كتابين في اليوم.
يقرأ مارك كوبان لأكثر من 3 ساعات يومياً.
يقرأ آرثر بلانك ( مؤسس home depot ( ساعتين كل يوم.
عندما سئل وارن بافيت عن سر نجاحه أشار إلى كومة من الكتب وقال: ( أقرأ 500 صفحة من هذه كل يوم وهذه تعلمني كيف تعمل المعرفة إنها تبني فائدة مركبة وكلنا نستطيع فعل ذلك لكن عدد قليلاً من ينفذ .).


كارلوس شو الذي نقل عن بافيت في موقع The Quartz يعترف بأن قراءة 500 صفحة في اليوم هو أمر يستطيع الجميع فعله، ولكن القليل يفعله ومع ذلك أثبت علم الأعصاب ما عاينه هؤلاء الناس " المتشاغلين " أن الأمر يستهلك طاقة أقل من أجل التركيز على التصفح الافتراضي بعد ساعة من التأمل والقراءة العميقة .
قام كارلوس شو بحساب يجد أن معدل سرعة قراءة 400 كلمة في كل دقيقة سوف يستغرق منك 417 ساعة في العام لتقرأ 200 كتاب أي أقل من 608 ساعة وهو المعدل الذي يقضيه الأمريكان على مواقع التواصل الإجتماعي أو 1642 ساعة وهو المعدل الذي يقضونه في في مشاهدة التلفاز، ثمة حقيقة بسيطة تقف خلف قراءة الكثير من الكتب ، إذ يقول كوارتز إن الامر ليس بتلك الصعوبة فنحن لدينا الوقت الذي نحتاجه ، أما الجزء المخيف يتمثل في ذلك الذي نتجاهله تماماً وهو أننا نعلم أننا جميعاً مدمنون جداً، ضعفاء جداً، ومشتتون جداً عن أن نفعل ما نعلم جميعاً بأن من المهم القيام به .
إن قوة الإرادة وحدها ليست كافية كما يقول كوارتز. نحن بحاجة إلى بناء مايسميه ( قلعة العادات ). مؤخراً زرت موقع الكاتبة آنا ديلارد حيث تقول: لم يعد بامكاني السفر, لم أعد استطيع أن ألتقي بالغرباء، لا يمكنني التوقيع على الكتب، لا يمكنني الكتابة حسب الطلب ولا أستطيع الرد على الرسائل. لقد حصلت على قراءة وتركيز .. هذه هي القلعة فلماذا يزعجني هذا الآن ؟.

لقد توصلت أخيراً إلى أن الإلتزام بالقراءة مستمر إلى حد ما، يشبه خوض معركة ضد إغراء المواد الإباحية على الإنترنت.علينا أن نبني الكثير من الجدران المنيعة ضد اغراء شبكات التواصل والتي تزيد في اندفاع الدوبامين في أدمغتنا ، علينا أن نوفر بيئة تحافظ على عملية ازدهار القراءة ..

وهكذا فإن الثقافة الحديثة إنما تضع الكثير من العقبات في وجه الطبيعة الإبداعية والروحية. و ككاتب مخلص في عصر التواصل الإجتماعي لدي صفحة على الفيسبوك وموقع وأكتب تدوينات في بعض الأحيان. لقد حصلت على العديد من الرسائل في الثلاثين سنة الماضية من قراء كثر ولم يستقبل هؤلاء رداً لأسبوع أو أكثر، ثم يعاودون الإرسال مرة أخرى .. هل وصلتك رسالة بريد إلكتروني مني؟. إنني محاط بحشود لا تهدأ .
ووسط هذه الفوضى لجأت إلى الشعر الذي يحيلك إلى أن تهدأ .. تفكر .. تركز و تتذوق الكلمات والعبارات.
لذا فأنا أحاول الآن أن أبدأ كل يوم بقراءة مقطوعات شعرية لـ جورج هاربرت، جيرارد مانلي هوبكسن أو آر.س.توماس.


أما بالنسبة للقراءة العميقة فأنا أخصص ساعة يوميا تكون فيها الطاقة العقلية في ذروتها، محاولاً أن أتجنب أن تستغرق القراءة القليل من الوقت وتكون نتاجا للتهرب من المهام أخرى .. وهكذا أضع سماعات الرأس واستمع لموسيقى هادئة مغلقاً كل المشتتات.
تجنب مراسلة الآخرين متعمداً. وألقيت بهاتفي جانبً مما حدا بزوجتي أن تقول بأن علي التبرع بهاتفي إلى المتحف .. وبات يرافقني كأداة ضروية ضمن وعي عالي لاستخدامه ، شاعراً بالأسف حيال المراهقين الذين يراقبون هواتفهم بمعدل 2000 مرة كل يوم.


إننا ننخرط في حرب تمتلك فيها التقنية اسلحة ثقيلة ، في كتابه الاخير رود دريهر " خيار بينديكت " يحث الكاتب الاخرين على محاربة الأمية والجهل والحفاظ على الثقافة كما فعل شعب بينديكت في واحد من أحلك عصور التاريخ البشري . ورغم اختلافي ع بعض نقاط دريهر إلا أن علينا أن نفعل كما فعل شعب بينديكت .. وأن نعود إلى القراءة ..
مازلت أعمل على ( قلعة العادات) في محاولة لإحياء التغذية الغنية بأن القراءة زودتني كثيراً، وهذا سوف ينجح فقط إذا استطعت أن أقاوم النقر على رابط : 30 حقيقة سوف تجعل بشرتك .... !

مصدر المقال

التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مكتبة كل الكتب

| الإبداع هنا