مكتبة كل الكتب مكتبة كل الكتب

رواية قد شغَفَها حُبًّا – نردين أبو نبعة pdf


تحميل رواية  قد شغَفَها حُبًّا – نردين أبو نبعة

 
مراجعة: أيمن العتوم
هي روايتها الثّانية بعد (ربّ إنّي وضعتُها أنثى)، اتّفقتا في الغاية، وفي أسلوب التّسمية، وفي الموضوع بوجهٍ عامّ، واختلفتا في الأسلوب... ففي الثّانية بدا أنّ نردين قد تمكّنتْ من أدواتها أكثر، وبدا أنّ تقنيات السّرد طيّعةً لقلمها.
تسير الرّواية في خَطّين، يتوازيان أحيانًا فتبدو كأنّها رواياتان لا واحدة، وقد يتقاطَعان في البطلة (وداد) فيبدو أنّ البؤرة الّتي تنبثق منها الأضاء واحدة، وأنّ المركز الّذي تدور عليه الأحداث واحدة.
الخَطّان المتوازيان يمثّلهما البطل الأسطورة (يحيى عيّاش) الّذي استُشهِد عام 1995 والبطل (محمّد الضّيف) الأسطورة الأكثر غموضًا الّذي قالتْ عنه الرّواية ص 14 إنّه: "الرّجل الّذي يُدير عمليّات القتال وهو جالس في حُفرته... الشّبح الأكثر مرواغةً وحيطةً وحذرًا ومهارةً وخطرًا".
ما يُحسَب للثّاني (الضّيف) أنّه ظلّ مُحتِفظًا بسرّ البقاء؛ البقاء الّذي يُمكّنه من أن يظلّ مُرعِبًا وإنْ كان: "فقد ساقَيه في إحداها، وإحدى عينيه، ويجلسُ على كُرسيٍّ مُتحرّك، وينتقل في القِطاع تحت الأرض لإدارة عمليّات المُقاومة ضِدّ الصّهاينة، وهو أحد المطلوبين الّذين تعجز إسارئيل عن الإمساكِ به أو اغتياله". كما قالت الرّواية ص 9-10.
ولقد قرأتُ عنه في منتصف التّسعينات من القرن المُنصرِم أنّه لم يكنْ – لشدّة حذره – ينظر من نافذة، ولا يتكلّم بهاتفٍ أكثر من مرّة، ولا يُخاطِبُ شخصًا – مهما كان شأنُ هذا الشّخص – لأكثر من دقيقتَين.
ومِيزة الاختِباء كنسمة هواء في تراب فلسطين، وسِمة التّنقّل كشبح هي الّتي قدّمتْه على الأسطورة الّتي قدّمتْه خليفًا لها.
هنا يتوازيان لكنّهما يتقاطعان في نقطةٍ أشدّ وضوحًا؛ إنّهما معًا كفردَين دوّخا إسرائيل أكثر مِمّا فعلتْه الجيوش العربيّة مجتمعةً منذ النّكبة عام 1948م!!!

الرّواية تُروَى على لِسان بطلتَين أيضًا، وهما تسيران كذلك بخطّين متوازِيَين، لكنّ الكاتبة استطاعتْ في مراحل متفرّقة من القَصّ أن تجمع بينهما إلى درجة التّطابق، وإلى الحدّ الّذي يحتار فيه القارئ في تمييز الصّوت الّذي يتكلّم الان، وإنْ كانت هذه الحيرة لا تَطولُ كثيرًا؛ إذ سرعان ما تتكشّف الحقيقة بعد بضعة أسطر أو صفحاتٍ في إشارةٍ هنا أو هناك تفصل بينهما كبطلتَين منفصلتَين لأسطورَتَين متّحدَتَين.
إذًا هما (هيام) و(وداد). وهما كذلك (يحيى عيّاش) و (محمّد الضّيف). تاريخٌ طويلٌ من النّضال وإرثٌ عريقٌ من المقاومة، وأسطورَتان لا يفاضلُ بينهما موتٌ أو حياة. فالأسطورة تبقى قادرةً على العيش في زمن صاحبها أو بعده.
(هيامم) زوجة شهيد، ومحمد الضّيف زوج شهيدة، وهنت يبدو أنّهما تتبادلان الأدوار، لتبادل البطلَين دورهما – كذلك – في الموتِ والحياة، تبقى (هيام) حيّة لتوصل أسلوبها في الحِفاظ على زمن الأسطورة إلى (وداد)، وتسمح ليوسفها أن يرتقي إلى الله حيثُ لا موت، أمّا (وداد) فترتقي إلى الله حيثُ لا موت لتسمح ليوسفها بأن يُكمل المسيرة؛ مسيرة النّضال الطّويلة نحو التّحرير؛ وليبقَى شبحًا مُرعِبًا يطلع في منامات قادة الكِيان الغاصب ويتمثّل لهم في كوابيسهم!!
(وداد) الّتي كانت لا تعرف كتابةَ كلمة واحدة، وترجو أختها إيمان أن تكتب لها موضوعًا واحِدًا، هي الّتي قصّتْ كلّ هذه الحكاية الرّائعة، ولكنْ كيفَ تعلّمتْ ذلك وهي الّتي كان بينها وبين القلم والورقة سدودٌ وحدود!!
هي نفسها تُجيبُ عن ذلك فتقول، في الرّواية ص23: "هيام هي الّتي فتحتْ لي باب الكتابة.. شدّتْني من يدي المُتعثّرة المُرتبِكة، علّمتْني أن أكونَ واضحةً وصادقةً، وأنْ أكتُبَ كلّ ما يخطر في بالي، وضعتُ القلم بين أصابعي.. القلم الّذي يتّكِئ على حكاياها أوّلاً.. ثُمّ رويدًا رُويدًا بدأتُ أسترسلُ وتنفكّ عُقدتي في الكِتابة".
إذًا من هنا بدأ مِشوار الكتابة عند (وداد) ومن هنا قدّمتْ لنا روايةً رائعة ممزوجةً بالألم والأمل، والحبّ، والحُزن، والرّضا... وكُلّ متناقضات النّفس البشريّة الجميلة... صحيحٌ أنّنا فثي النّهاية استطعنا أن نخرج بالجَمال كلّه في هذا العمل الرّوائيّ المتميّز... ولكنّ السّؤال الأهمّ هو: لِمَ اختارت الكاتبة نردين أبو نبعة هذا الأسلوب في القَصّ؟! هل كان ثمّة مهربٌ آخر لأسلوبٍ آخر؟! وما الّذي دفعها إلى اتّباع هذه التّقنية في السّرد؟! أهو الخوف من سيطرة (الرواي العليم) على مُجريات الأحداث بحيثُ تبدو لا واقعيّة أبدًا؟! أم أنّه أسلوبٌ يُريح المُبدِع الّذي ينزف حروفه على الورق؛ ذلك الأسلوب الّذي يجعل الذّكريات هي الّتي تتحدّث عبر انثيالها من دفتر مُذكّرات؟!
كلّ هذه الأسئلة كانت مطروحةً في ذهن أيّ قارِئٍ مِنّا. وأعتقد أنّني لو كنتُ مكانها لما فكرّتُ بطريقةٍ أفضل من طريقتها هذه، ولَما خرجتُ بأسلوبٍ أقدر على سدّ ثغرات القَصّ الزّمني من أسلوبها هذا!! إنّه مثل ذلك الفِلم الّذي نُشاهِدُ أحداثه بكامل عُنفوانه ودراميّته من خلالِ بطلةٍ تقرأ من دفتر ذكريات لبطلةٍ أخرى، وتكتب هِيَ كذلك على هوامش هذا الدّفتر فتُضيف إلى الأحداث السّابقة أحداثَها هي الّتي تحدثُ معها للتّوّ... وهذا منتهَى الإفلات من عقوبة التّقديم والتّاخير في الأحداث (أي مُعضِلة الزّمن)، ومن خلال ذلك تستطيع الكاتبة أن تأخذ راحتها في السّرد بحيثُ تختفي الفجوات الزّمانيّة والمكانيّة من الأحداث.
إذًا تبدأ (وداد) من خلال هذا الدّفتر بالقص، تتركه أحينًا، فتكتب هي، تعود إليه من جديد فتروي من خلاله حدثًا جديدًا، تنهيه، لتعود إلى نفسها... إلى حَدَثها الخاصّ، وهكذا... تستمرّ الرّواية بمشهديّة عالية حتّى تنتهي...!!! أليستْ هذه عبقريّة من الكاتبة في اختيار هذا الأسلوب لحكايتها... في تقديري المتواضع أعودُ فأقول: لم يكنْ هناك من طريقةٍ أخرى كان يُمكن أن تنجح أكثر من هذه...!!
تتفنّن الآن الكاتبة في رسم المشهديّات من خلال البطلة الّتي تستمرّ في القصّ حتّى يختارها الله إلى جواره، والمشهديّات المرسومة هنا تستحقّ الإشادة، لقد كانتْ ريشةُ فنّان الّتي ترسُم، فتراها ترسم مشهديّة الإفلات من حواجز التّفتيش الّتي يكون فيها البطل أو البطلة قاب قوسَين أو أدنى من الاعتقال، ظهر ذلك في مشهد (جواهر وعالَمية) في الصّفحات (26- 34)؛ تقول ص29: "أمّا أنا فقد وهبني اسم (جواهر) وأمّا حماتي فقد كان اسمُها (عالَميّة)، وعلى الفور حفِظتُ اسمي وبدأتُ أتخيّل الدّور الّذي سأقومُ بتمثيله.. فأنْ تتقمّص شخصيّة أخرى وتخرق قوانين المحتلّ أمرٌ يدعو للشّعور بالسّعادة ولو مُؤقّتًا".
وهذه مشهديّة أخرى ترسمها للعميل من خلال الوصف والحوار، تقول في الرّواية ص81: "كنتُ في أحيانٍ كثيرةٍ أدخل عليه الغرفة فجأةً فأشعر بأنّ الخوفَ ينغل في روحه.. يمصّ دمه ولا يتركه يهدأ أو ينام.. أصبحَ نحيلاً أكثر، وكانتْ برودة يديه تزداد رغم الملابس السّميكة الّتي كان يلبسها.. كنتُ أشعر أنّه قد تغيّر.. لكنّني لم أكنْ أتوقّع أن يصل به الأمر إلى التّلوّن كالحرباء.. كثيرًا ما كنتُ أنام مُمدّدةً على الكنبة في الصّالة المُقابلة لغرفته فأصحو على صوته الفَزِع.. أغفو قليلاً ثمّ أصحو على صوته وقد أرهقتْه الكوابيس. عَمِلَ معهم مدّة طويلةً دون أن يشُكّ أحد.. حتّى أنا أخته... وأقرب النّاس إلى قلبه لم يخطر على بالي أن يصل الأمر إلى هذا الحدّ.. كنتُ أتناقش معه يوميًّا... أحسستُ تغيُّرًا في أفكاره..
كان يقول:
- المقاومة قِشرةٌ بالِية... أنهكها الجوعُ والعطش... أنهكها الحِصارستزول عند أوّل ضربةِ سِكّين.
تدور الأرض وأنا أسمع كلماته، تُخيفُني هذه الكلماتُ فأقول:
- المُقاومة الأولى هي مُقاومة نفسِك الّتي تعمل ضِدّك وضِدّ الوطن، نفسك هي عدوّك الأوّل.. المُقاومة الحقّة أن تُقاوِمَ ضعفك وجُبنَك وعجزكَ وشهوتَك.. أنتَ عاجِزٌ عن مُقاومة أيِّ شيءٍ؛ لذلك تصف المُقاومة بالقشرة!! إمّا أن يكون مفهوم المُقاومة شامِلاً وإمّا ستسقط وتتدحرج كما أراكَ الآن!! المُقاومة كُلٌّ لا يتجزَّأ... تبدأ بنفسِكَ وتنتهي بعدوّك".
ولاحِظ معي هذا التّعريف الجامع المانع للمقاومة.
وعن مشهديّة العلاقة بين الفنّ والمقاومة، تقول في الرواية ص159: "هل ثمّةَ علاقةٌ بين الفنّ والمُقاومة وما المسافةُ بينهما؟!".
وتجيب بقولها على لسان (الضّيف) في الرّواية ص159-160: "الفنّ ضمّة ورد، والمُقاومة سيفٌ ورمحٌ، وهُما جناحان مهما كان أحدُهما قويًّا لا يُمكن أن يطير دونَ الآخَر. المُقاومة تُشبه الفنّ في صوتِها الشّجيّ، في إنارةِ الرّوح، في إيقاد الشّعلة".
تُتقِن الكاتبة تكثيف العبارة، وتصوير المشهد كأنّنا نعيش لحظتَه الفارقة، وتعبر بنا ذلك من خلال آياتٍ عِذاب من القرآن الكريم، لاحظ هذه اللغة القرآنيّة العالية في الوصف والسّرد:
1. "قد شَغَفني حُبًّا .. غير أنّي لم أُراوِدْ يوسف، لم أقُدَّ قميصَه من دُبُرٍ، لم أُعطِ صُويحباتي سِكّينًا وأَقُلْ ليُوسفي اخرجْ عليهنّ". الرّواية ص9.
2. "جاء الحُبُّ وزهقَ الحُزنُ إنّ الحزنَ كانَ زَهوقًا". الرّواية ص16.
3. "الحياةُ هي أن نعرف أنّ لله وعدًا، وأنّ وعده الحقّ". ص105.

ولاحظ هذه العبارات المُكثّفة:

1. "لكنّني عندما اتّخذتُ قراري لم ألتفتْ للوراءِ أبدًا". الرّواية ص13.
2. "عَجِبْتُ لِمَنْ لم يَذُقْ طعمَ العِشق كيفَ ينبضُ قلبُه؟". ص21.
3. "الخوفُ هو بَعثرة الخُطا وانطِفاء الرّوح في لحظةٍ وإذاءَتها في لحظةٍ أخرى.. استِدارة الرّوح في الرّمق الأخير إلى الجسد". ص35.
4. "كُلّنا في غزّة نُمارس لُعبةَ الهرب.. الهَرَب من قَدَرٍ يتسابَق نحونا. كُلُّنا يُحاول أن يضع غِلالةً على عينيه حتّى لا يَرى المشهد القادم، لكنّ المشاهد تزحفُ صوبَنا بتؤدةٍ وتصميمٍ بالغٍ". ص49.
5. "من عينَيه النّاعِسَتَين يُطِلّ بحر غزّة بموجه الهادر ليُغرِقَ مَنْ باعوا المرافِئ ولوّثوا الذّاكرةَ وشوّهوا الحقيقة". ص55.
6. "الشّهداء هُمُ البسمة الخَضراء الّتي لا تذبُل". ص55.
7. "بالقُربِ منهم اكتشفتُ أنّ الطّهارةَ هي أن تتوضّأ برمل الوطن". ص67.
8. "الحُرّ هو الّذي يصنع حُرّيته". ص82.
9. "أشدّ أيّام الحرب وجَعًا هي الأيّام الّتي تلي الحرب". ص93.
10. "قلوبنا هي الّتي تُعطي الحياةَ شكلاً مُختلِفًا ونكهةً مُختلفةً". ص105.
11. "بينَ صوتِ الدّيك الّذي يُعلن الفجر وصوتِ المُقاومة شَبَهٌ عظيمٌ؛ فكلاهما يبتكر النّور". ص136.
12. "أيّهما أكثر إيلامًا... أن تبقى الذّاكرة مُحتفِظةً بجرحها وأغلالها وأثقالها؟! أم تبوح؟!". ص142.

13. "لنا وَطَنٌ يليقُ بالعاشِقين المُنتصرين، والانتِصار لا يعني كسبَ الجولة في المعركة... الانتِصار يعني أن لا أنكسِر". ص147.



    أتدرين يا وداد أن الذي قتلنا ليس العدو .. الذي قتلنا ظلم ذوي القربى. أعرف عدوّي جيداً، وأعرف كيف أغرز ظفري في لحمه، ولكن لا أستطيع أن أغرز ظفري في لحم أخي الذي يحاصرني ويركلني بقدمه لأكون لقمة سائغة في فم عدوّي.


التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مكتبة كل الكتب

| الإبداع هنا